محمد راغب الطباخ الحلبي

43

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

الأنوف ، فإذا عاد فرسانهم من إثر المنهزمين لم يلقوا راجلا يلجؤون إليه ويعود المنهزمون في آثارهم وتأخذهم سيوف اللّه من بين أيديهم ومن خلفهم ، فكان الأمر على ما دبروا ، فإن الفرنج لما تبعوا المنهزمين عطف زين الدين في عسكر الموصل على راجلهم فأفناهم قتلا وأسرا وعادت خيالتهم ولم يمعنوا في الطلب خوفا على راجلهم من الطلب ، فصادفوا راجلهم على الصعيد معفرين وبدمائهم مضرجين ، فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا وحضعت رقابهم وذلوا ، فلما رجعوا عطف المنهزمون أعنتهم وعادوا فبقي العدو في الوسط وقد أحدق بهم المسلمون من كل جانب ، فحينئذ حمي الوطيس وحاربوا حرب من أيس من الحياة ، وانقضّت العساكر الإسلامية عليهم انقضاض الصقور على بغاث الطيور ، فمزقوهم بددا وجعلوهم قددا ، فألقى الفرنج بأيديهم إلى الإسار وعجزوا عن الهزيمة والفرار ، وأكثر المسلمون فيهم القتل وزادت عدة القتلى على عشرة آلاف ، وأما الأسرى فلم يحصوا كثرة ، ويكفيك دليلا على كثرتهم أن ملوكهم أسروا وهم الذين ذكروا من قبل . وسار نور الدين بعد الكسرة إلى حارم فملكها في الحادي والعشرين من رمضان ، وأشار أصحابه عليه بالمسير إلى أنطاكية ليملكها لخلوها ممن يحميها ويدفع عنها ، فلم يفعل ، وقال : أما المدينة فأمرها سهل . وأما القلعة التي لها فهي منيعة لا تؤخذ إلا بعد طول حصار ، وإذا ضيقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية وسلموها إليه ، ومجاورة بيمند أحب إلي من مجاورة ملك الروم ، وبث سراياه في تلك الأعمال والولايات فنهبوا وسلبوا وأوغلوا في البلاد حتى بلغوا اللاذقية والسويدا وغير ذلك وعادوا سالمين . ثم إن نور الدين أطلق بيمند صاحب أنطاكية بمال جزيل أخذه منه وأسرى كثيرة من المسلمين أطلقهم . وقال الحافظ أبو القاسم : كسر نور الدين الروم والأرمن والفرنج على حارم وكان عدتهم ثلاثين ألفا . قال : ووقع بيمند في أسره في نوبة حارم وباعه نفسه بمال عظيم أنفقه في الجهاد . قلت : وبلغني أن نور الدين رحمه اللّه لما التقى الجمعان أو قبيله انفرد تحت تل حارم وسجد لربه عز وجل ومرغ وجهه وتضرع وقال : يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك فانصر أولياءك على أعدائك أيش فضول محمود في الوسط ، يشير إلى أنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت ، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر . وبلغني أنه قال : اللهم انصر دينك ولا تنصر محمود ، من هو محمود الكلب حتى ينصر . وجرى بسبب ذلك منام حسن نذكره في أخبار سنة خمس وستين عند رحيل الفرنج عن دمياط